يشير وليد عبد الحميد أحمد النود.الباباحث في التأريخ الحديث في ترجمته وقراءته النقدية لكتابحرب الساحل التهامي 1911م- 1912م (الصراع الايطالي العثماني في اليمن) للباحث البريطاني (جون بولدري )الصـادر عن المـركـز العـربي لـلدراسـات ألإسـتـراتـيـجــيه في أغسطس 2005م..ونستعرض بإيجاز وصف لتهامة قدمه موظف بريطاني كبير بمستعمرة عدن في ذلك الوقتضمن أحد فصول كتابه تاريخ العربية السعيدةA History of Arabia FeLix or Yemen عد كابتن بليفير تهامة جزءا متكاملا من الامبراطورية العثمانية . على انها تحوي شيوخ قبليين عديدين لهم سلطة مؤثرة على رجال العشائرالتابعين لهم رأسا . أما حضريا فالبلدات الرئيسية هي الحديدة واللحية والمخا وجيزان على الساحل ,وموزع وزبيد وبيت الفقية في الداخل .واعتبر الكاتب مضيق باب المندب , الحد الجنوبي للمتلكات العثمانية فتناول رأس باب المندب إذ هو سهل فسيح تحيط به صخور عالية ذاتانحدارات حادة.وجد عليها أثار لموطن سكني سالف تمثلت بأبار قديمة ومنازل من أحجار مصفوفة عج المكان بخرائبها .وهناك الى الجوار منها أطلال تخلفت – حسب اعتقاده – عما كان مرفأ مملكة قتبان ,وبقي لأماد مركزا للتجارة بين أوروبا والشرق .
المخا هي البلدة الأولى على الساحل ورأي الكاتب أنها لم تظهر إلا مع فتح البرتغالين والإنكليز البحر الأحمر أمام الأمم الأوروبية .
وقرر أن المخا تدين بوجودها لاكتشاف استخدام البن وتجارته منذ منتصف القرن ال15م وقد قرر أن المرفئ ظل ناشطا بهذا القدر أوذلك
حتى حل الاحتلال البريطاني لعدن سنة 1839م فلم يمض سوى عقدين , فإذا المخا قد لحق بها تدهور متسارع حتى غدت أطلالا تقريبا ,
تهدمت غالبية دورها وأقفرت طرقاتها وتراكمت رمال البحر في مرساها .
ورأى أن الحكم العثماني ليس بوسعه سوى فعل القليل لإنتشال المخا , فالبشوات يعينون من استنبول مقابل رشوات ويأتون الى تهامة فقراء
وهدفهم الوحيد هو تكديس ثروات لأشخاصهم ,ويزيد من وتائر هذا أن مدة تولية الواحد منهم لاتزيد على ثلاث سنوات فقط.
فضلا عن أن عدن - حسب بليفير – تسير شئونها إدارة عصرية .
ثم تأتي الحديدة المرفأ التركي الأكثر إزدهارا ومقر الباشا الحاكم للإقليم . وصارت بلدة كبيرة محصنة بها أبنية عالية على الجانب الشمالي الشرقي
للشاطئ الرملي . وأكثر منازلها من القصب والحصير بينما منازل التجار وكبار الساكنين من الحجر , وتصدر مقادير كبيرة من البن عبر الحديدة
الى مصر , على الجانب الرئيسي من محاصيل البن يجد طريقه الى عدن ليصدر الى الهند وفرنسا وأمريكا.
ويليه مرفأ اللحية الأخذ بالإزدهار أنذاك ,أما البلدة فمحاطة بسور محصن , وتوجد بها بعض الدور الكبيرة والجيدة. وتصدر اللحية كميات جيدة من اللبن , كما انها سوق جيدة للبقاع المحيطة بها.
ثم هناك مرفأ جيزان المنفذ البحري لمنطقة أبي عريش , ولكنها خاضعة للسيطرة التركية وتوجد دور حجرية قليلة بينما أكثر المساكن من القصب والحصير .على ان تحصيناتها متداعية وسوقها محدودة . ولكن المرفأ تصدر مقادير جيدة تقريبا من البن والسنا اللذين يأتيان من أرياف حاشد وبكيل.
وعدد سكان جيزان حوالي(400)نسمة أكثرهم يعملون بصيد اللؤللؤ الذي يجري هناك على نحو جيد وكذلك في جزر فرسان التي تنتج أيضا محصول
الذرة وتزودبه الداخل.
أما البلدات في الداخل التهامي , فهناك زبيد التي كانت عاصمة تهامة في أزمنة سابقة ,ويتصل بها أحد أفضل الوديان المروية في الإقليم ولديها الجدول الوحيد الدائم الذي يصب في البحر.
ويحيط بها سور له أربع بوابات , على ان العديد من دورها عبارة عن خرائب, وبها قدر ضئيل
من التجارة يتركز في البن والعسل واللبان .
الى الداخل من الطريق بين المخا وزبيد , تقع موزع التي تعد بلدة كبيرة بمسجدين أنيقين وسكان عددهم(800 )نسمة , والريف بين موزع والمخا يتسم بالمشقة تغطية أعشاب حشنة وشجيرات
قزمية على امتداد البصر , ولكن النطاق المتصل بموزع تنتج الأرض فيه محاصيل الدخن وأنواع من الفاكهة والورود. أما في جنوب زبيد فهناك موضع متسع من الأرض الزراعية.
وتأتي بلدة بيت الفقية بعد زبيد شمالا , وتقع على سهل خصب بطبيعته ومزارع بعناية وهي بلدة كبيرة تتناثر مساكنها وعددسكانها(800)نسمة. ولاتحيط بها أسوار , على انه توجد بها دور حجرية جيدة الإنشاء وثلاثة مساجد وكذا مقابر أنيقة في الجوار . وهي أكبر من زبيد وذات مظهر أكثر إشراقا وإبهاجا , ويقال انها البلدة الأكثر حرارة في تهامة .
وتعد بيت الفقيه البلدة الأمامية للأتراك , والمركز الكبير في الداخل التهامي لتجارة البن خصوصا مع الحديدة . ومن وجهة النظر التجارية , فموقعها ذو أفضليه على الخصوص فهي كائنة على سفر نصف يوم فقط من أرياف زراعة البن , بل وبضعة أيام من مرافئ اللحية والحديدة والمخا . كما تصدر أيضا اللبان والبخور وشمع العسل , وكذلك تستورد بضائع هندية
وإنجليزية من شيلان وتوابل وسكر.
وقائع حرب الساحل التهامي في (مصادر)يمنية :(بين شوال 1329هجرية وذي القعدة 1330هجرية ) ونتناول هنا وقائع هذه الحرب من جانب تأثيراتها على أهالي تهامة أساسا , وكانت وبيلة الوقع عموما . وقد تعرض لها عدد من المؤرخين اليمنيين الذين عاصروا الأحداث .وكان باديا عندهم اتصال حرب بغزوا ايطاليا لطرابلس ,وإن لم يلحظوا في الوقت نفسه انه كانت لايطاليا مطامع
أخرى تعلقت بالتوسع في الساحل التهامي نفسه , وإنها مطامع شرعت منذ عقود سلفت, بينما تركز اهتمامهم على العلاقة بين الايطاليين والادريسي في عسير أكثر من أي شيئ أخر.
ولم تحظ حرب الساحل التهامي سوى ببعض الاهتمام عند المؤرخ الواسعي في كتابه "فرجة الهموم والحزن , وذلك ضمن حوادث سنة 1330هجرية , فاكتفى بذكر انه حاصرت ايطاليا سواحل اليمن من جهة البحرالأحمر وحصل لتجار الحديدة ضيق شديد ورميت المدينة من البحر
, ثم أظاف هرب أهالي الحديدة والسواحل وتفرقوا في التهايم ثم حصل الصلح بين الطليان والدولة( العثمانية )وانفتحت طرق البحر .
وقد أورد الواسعي إعلان الأمام يحي تأييده للجانب العثماني واستعداده للمساندة بالرجال المجهزين للقتال ولكن في ليبيا وليس في تهامة .أما مأورده بولدري عن إعلان إمامي للجهاد
ضد ايطاليا فلم يتطرق له على الإطلاق , كما هوالحال عند غيره من المؤرخين اليمنيين الذين
عاصروا الأحداث . ولعل المؤرخ إسماعيل بن محمد الوشلي هوأكثر تناولا لوقائع حرب الساحل التهامي , بل وانصرف باهتمامه ناحية مجرياتها التهامية غالبا , وكان معايشا للأحداث بتهامة .
ونجد عنده في مخطوطته" نشر الثناء الحسن", ان الحرب بدأت بشهر شوال 1229هجرية
بضرب مدفعي من سفينة حربية ايطالية أدى الى إغراق سفينة حربية عثمانية في مرفأ الحديدة.
ويظهر عند الوشلي مدى ضراوة العمليات البحرية الايطالية , وكذلك مدى تضرر أهالي تهامة
جرائها في سياق سرده لسلسلة وقائع الحرب .
فيذكر انه في 15محرم 1330هجرية قصفت البحرية الايطالية ,مرفأ اللحية "جميع النهار ويوم الجمعة "ثم ضربت بلدة ميدي بالمدافع ليومين متتاليين , مماجعل الأتراك يغادرون البلدة شاردين
الى بندر اللحية بعد ان تركوا سلاحهم وأثاثهم غنيمة سهلة للايطاليين .
وأخذت الحرب توقع مضارها بالتهاميين أكثر ,ففي شهر صفر 1330هجرية ,ضربت الطليان الحصار من رأس عيسى الى مرسى غليفقة وأشتد الحصار على بندر الحديدة ..ولما وقع هذا الحصار خاف أهل البندر ..فخرجوا بأموالهم وأهلهم الى سائر البلدان كالمراوعة والمنصورية
وباجل والزيدية والمنيرة وكذلك في خلال شهر ربيع الأول سنة 1330هجرية,ضربت الطليان الحصار على بندر اللحية وكمران والصليف من جهة البحر .. فحصل بسبب ذلك غلاء عظيم
وارتفعت الأسعار بإضعاف ماكانت عليه .
وتلى ذلك في شهر جمادي الثانية سنة 1330هجرية, كسرت الطليان خمس سفن لضعفاء أهل الصليف وكمران ..وفيه سلمت العسكر للعثمانية جزيرة فرسان والأسلحة والذخاير التي معهم
الى قوم الادريسي طوعا .
ثم شهر رجب سنة 1330هجرية ,استولت الطليان على أربعة عشر ساعية في البحر من سواعي أهل بندر الحديدة وغيرهم واصله من بندر عدن مشحونة بالبضائع وساقوها الى بندر مصوع.."
وعقب هذا استولت الطليان على خمسة سنابيق لأهل قرية بن عباس من البضائع نهبوا مافيها
وكسروا واحدا منها..ومنعوهم من السفر في البحر ..لتجارة أوغياصة واصطياد سمك وغيرها فضعفت بذلك أحوال الناس الدنيوية وكادت الفقراء الذين يتعيشون من اصطياد السمك أن يهلكوا جوعا.." أما في شهر شعبان فهاجمت البحرية الإيطالية مرفأ الحديدة " واضطرب البندر وضاق بأهله فسيح الأرض وخرج أكثرهم بل كلهم شاردين بأرواحهم ..وتركوا أموالهم وأثاثهم وكان هذا الواقع بالبندر على رأس ستة أشهر من يوم ضرب الحصار عليه من طرف الطليان فضعف البندر من ذلك وافتقر أهله وكان قد ارتفع قبل ذلك وعظمت تجارات أهله وجلبت المراكب البضائع اليه على اختلاف انواعها من ناحية بعيدة كالهند والروم ودمشق وبيروت وماوالاها وكان القطر اليماني عالة عليه ".
وتبع ذلك في أول شوال سنة 1330هجرية استولت على ثلاث سفن في البحر لأهل اللحية وكمران ..فأخذوا الأموال والرجا ل الى مصوع ..وكانوا في شهر رجب قبلا قد عاودوا
ضرب مدفعي للحديدة فأخرجوا دور بعض أهل الحديدة "ولم يبقى في بندر الحديدة الأن وهوعام ثلاثين وثلثمائة وألف إلا عسكر الدولة وعمالها وأصناف من الكفار ومن يحرس أمواله من أهل البندر بعد إخراج النساء والأطفال ".
وجرى بشهرشوال ذاته أن قامت الطليان .على أحمد فتيني من قبيلة الزرانيق بأن يرد عليهم ماسلموه من النقود وذلك خمسون ألف ريال على انه سيهجم بعشيرته على بندر الحديدة في أيام محاصرتهم للبندر فلم يفعل ولم يساعدهم على ذلك ..فأجاب عليه أحمد فتيني بأن النقود المذكورة
عندي ولكن لناعندهم سواعي وأموال أخذوها من البحر "
وينتهي الوشلي أخر المطاف الى ذكر انتهاء الحرب في شهر ذي القعدة سنة1330هجرية
, وفي شهر ذي القعدة أنفك الحصار المضروب على مراسي اليمن من طرف الطليان وذلك بعد تسعة أشهر من يوم ضربوه بعد أن ضعفت أحوال أهل اليمن وبلغت نهاية الضعف ففرج الله عنهم وجاءت البوابير بالبضائع من كل ناحية وسافرت الجلاب التي كانت ممنوعة من ذلك في مدة الحصار . ولعل الوشلي خصوصا أدراك واقعا , أن حرب الساحل التهامي بوصفها كذلك عدوانا إيطاليا استهدفت الساحل التهامي وأهله قصدا على نحومدمر طيلة عام.
ولانجد عند الوشلي ذكرا لقبيلة" الحجباء " ولعله عدها في الزرانيق عموما,كما لم يرد "الحوك"
عنده بأي نحو وحري بالذكر أن مؤرخا أخرا هو الجرافي عاصر هذه الأحداث , ولكنه اكتفى ببضعة عبارات عنها في كتابه "المقتطف" فذكر " وفي سنة 1329هجرية , أعلنت إيطاليا
الحرب على الدولة العثمانية وأخذت في احتلال طرابلس الغرب ثم حولت نظرها الى البحر الأحمر وحاصرت ولاية اليمن وأطلقت مدافعها على أغلب موانئ اليمن ".إن الأمر عنده صراع خارجي أصاب تهامة لبعض الوقت , فلم يختلف في هذا عن الواسعي ولئن نقموا على ايطاليا فذلك لمساندتها للإدريسي لالعدوانها على الساحل التهامي.
مقدمة المترجم :
الدراسة التي بين يدي القارئ الكريم هي ترجمة لدراسة تتناول أحداث هامة يجهل الكثيرون وقائعها وتفاصيلها رغم أهميتها في إبراز طبيعة الصراعات بين القوى الاستعمارية للسيطرة على اليمن وما أحدثته هذه الصراعات بين القوى الاستعمارية
للسيطرة على اليمن ومأحدثته هذه الصراعات العنيفة من أضرار وخسائر فادحة باليمنيين وأرضهم . وعلى الرغم من أن محتوى هذه الدراسة لايزيد عن أن يكون
عبارة عن سرد لوقائع أعمال حربية كما وردت في وثائق رسمية بريطانية تعود الى أخر القرن ال19وبداية القرن 20م الا انها بلاشك قد سلطت الأضواء على تلك المرحلة وصراعاتها , وقد التزم الباحث بولدري بما نصت عليه تلك الوثائق في الأعم الأغلب , والتي هي عبارة عن تقارير لممثلين (دبلوماسيين وتجاريين ) لبريطانيا في اليمن وضعوها بمقتضى مهام عملهم , ولم يكلف بولدري نفسه النظر
كذلك في وثائق مماثلة أيطالية وعثمانية , بل وترك جانبا المصادر اليمنية إجمالا.
وهكذا يكون الموضوع المترجم في عداد المصادر الأولية على نحوما, على أن لهذا
أهميته البالغة كرافد أساسي لمعرفة تاريخية لتلك الأحداث .
صب بولدري اهتمامه على حدث تاريخي بعينه , هوالصراع الايطالي – العثماني في اليمن تلك التي دعيناها بحرب الساحل التهامي 1911- 1912م فأضاف بذلك معرفة أولية لجانب تاريخي,أوبالاحرى جزئية تاريخية تكشف ماينطوي عليه تاريخناالمعاصرمن احداث تاريخيه تنعكس تداعياتها وأثارها على واقعنا حتى اليوم.
لم تكن حرب الساحل التهامي,حدثا قائما بذاته في واقع الامر,كذالك لم تكن سواحل
تهامه مجرد ساحة لصراع بين قوى دولية أياكانت أطراف تلك الحرب‘فهي حدث
تاريخي يمني في المقام الاول ,وان لم يعن بولدري بهذا إلاقليلا. وكذلك نجد أن
حرب الساحل التهامي كانت لها صلتها الوثيقة بالتطور التاريخي العربي إجمالأ
في العهود المعاصرة,فقد قدح زناد هذه الحرب,إندفاع إيطاليا لغزوليبيا سنة1911م
ضمن نشاط استعماري ضاري في الانحاء العربية من الدول العثمانية,فضلأعن تولي المساعي الإستعمارية الإيطالية في شرق أفريقيا وسواحل البحر الأحمر
الغربية منذ أوساط القرن 19م.
كانت بريطانا قد صيرت عدن مستعمرة منذ سنة 1839م واخذت في تكوين نطاق
داخلي في جنوب البلاد تدعيما لمصالحها الإستعمارية في الهند والشرق الاقصى .
ثم عاودت الدولة العثمانية وضع أقدامها في تهامة اليمن سنة 1849م,وحل افتتاح
قناة السويس سنة 1869م,فطفرت بمطامع القوى الإستعمارية في البحر الأحمر
وسواحله الأفريقية والعربية . وكذلك شجعت العثمانين الاتراك على توطيد
اقدامهم في تهامة والتقدم نحو الداخل حتى صنعاء سنة 1871م
(الفتح العثماني الثاني لليمن )بينما إيطاليا تكرس وجودها الإستعماري في شرق
افريقيا(القرن الافريقي )وتتجه لمد نفوذها على السواحل اليمنية المقابلة .
وفي غضون ذالك كانت بريطانيا بصدد إحتلال مصر,وهو ماحدث سنة 1882م,
أما الدولة العثمانية فكان الضعف قد لحق بها عامة ,ولم يجني محاولات
العثمانيين للإصلاح سوى القليل .وكان مماعزز من فرض بقائها كامبراطورية ,
أن راعت بريطانيا منذ القرن ال19 وحتى عشية الحرب العالمية الأولى – مسألة استقلالية وتكامل الدولة العثمانية على حساب مطامع بريطانيا . ولذلك لم تستشعر بريطانيا أي خطر يذكر حيال الفتح العثماني الثاني لليمن.
ان تلك التطورات تضع إطارا أوليا عاما لواقائع حرب الساحل التهامي , أما فيما يرتبط بالأوضاع الداخلية لليمن ,فقد شهدت اليمن في أواخر القرن ال 19 م وتحديدا
منذ سنة 1873م تطورا تاريخيا فرضة واقع ضعف التطور الوطني لليمن وتشتت قواه الاجتماعية وتداعي بناه السياسية منذ عقود عديدة سلفت , وذلك وسط تفاعلات
اقليمية وقارية , تفاقمت فيها المطامع والتطلعات الاستعمارية الأوروبية .
كان ماحل باليمن منذ سنة1873م انه – حسب الباحث البريطاني بيدول – جرى لأول مرة في تاريخ اليمن , تقاسمها بين قوة خارجية وأخرى استعمارية , فصارت كيانين مفترقين عن بعضهما البعض , أحدهما في شمال وتسيطر عليه الدولة العثمانية , والأخر بجنوبها ويخضع للسيطرة الاستعمارية البريطانية , وتمتد بينهما حدود مرسمة وفق اتفاقيات دولية , ليس لليمنيين أنفسهم دور من أي نوع في تقريرها أورفضها.
لقد سبقت حرب الساحل التهامي أشكال من المعارضة وحتى المقاومة لما فرضته أوضاع ومصالح دولية على اليمنيين بينما كانت الأرجاء اليمنية تحاول أن تنهض
من قاع تدهور عام شل قدراتها وجمد طاقاتها لعقود طويلة , حيث أخذت البلاد تزخر بتطلعات نشطة هدفت الى بث الحيوية مجددا في مفاصلها , رغم الحالة التي بدأت تكرسها الأوضاع الاقليمية والدولية في اليمن , وظهر هذا جليا في شروع مدن اليمن وبلداته ومرافئة الخربة في عملية اعادة بناء مجددا بعد ان قاربت تطورات أواسط القرن ال19م أن تخلف تلك الحواضر أنقاضا .
اتخذ الصراع الايطالي – العثماني من تهامة وسواحلها ساحة له , وهو ماركز عليه بولدري الا فيما ندر فسرد صراعا بين امبراطوريتين جرى في جزء من بلاد خاضعة ,وأهتم أحيانا بتطورات داخلية , ان ظهرت لها أثار على ذلك الصراع .
وفي حقيقة الأمر ظلت تهامة قطاعا يمنيا رئيسيا من النواحي الاجتماعية والجغرافية
والتاريخية , وكانت في طريقها للخروج الى وضع أفضل بعد ان كانت قد عانت طويلا من الاظطراب والتدهور السكاني والمعيشي .وبقدر ماظلت مصدرقلق للعثمانيين , فأنها لم تسلم قيادها للإيطاليين , الذين أسفروا عن تطلع محموم للنفاذ في سواحلها , وراحوا يلحقون الكثير من الدمار بمرافئ تهامة وساكنيها . بينما بدت السيطرة العثمانية أضعف من أن تقي أهالي تهامة من ويلات الحرب مما أغرى بيريطنيا خلال الحرب العالمية الأولى بشن غارات بحرية أخرى,مسببة تدهور أشد
بمرافئ تهامة ,خاصة الحديدة .
وسيلاحظ القارئ أن حرب الساحل التهامي ,انما كانت من طرف واحد هو الايطالي
الأكثر تطورا وقوة , بينما الطرف العثماني كان يعمل للحفاظ على سيطرته على تهامة والداخل الجبلي , وسط ظروف يمنية وأقليمية ودولية كانت تضاعف من وطأة الهجمات الايطالية , تلك الغارات البحرية التي بلغت مستوى شديد الضراوة,
وكان أهالي تهامة هم الأشد تضررا ومعاناة من قسوة الحرب الأمر الذي لم يلتفت اليه بولدري سوى أحيانا قليلة فقد أنشغل بأثار الحرب على المصالح البريطانية.
لقد استمرت حرب الساحل التهامي ,عاما كاملا (بين اكتوبر 1911واكتوبر 1912م) وبدأت ايطاليا الحرب بضرب مدفعي من بحريتها لمجمل المرافئ التهامية
بدعاوى شتى , وكذلك فرضت حصارا بحريا امتد بعض الأحيان حتى ساحل جدة الميناء الرئيسي لقاصدي المشاعر المقدسة في الحجاز . ثم عملت أيطاليا أكثر على تنسيق هجمات مشتركة مع الادريسي في عسير وذلك لتوفر لحليفها هذا سيطرة ودورفعالين في عسير ومرافئ تهامة العليا , بل ولتمكنه من تهديد السيطرة العثمانية في جنوب تهامة . وعندما ظهر للايطاليين أن الادريسي ليس بمقدوره توفير نفوذ ممتد لهم في الساحل التهامي , تحولوابنشاطهم الحربي ناحية منطقة الحديدة وعولوا على قبائل الزرانيق هناك ,ولكن هذا لم يجدهم نفعا إذا بقيت قبائل تهامة كا الزرانيق
وغيرها وبعض قواها الحضرية على حذر وتوجس من المطامع الايطالية , مما أحبط المرامي الاستعمارية الايطالية في اليمن الأمر الذي لم يكن أمام بولدري الإقرار به .
وانتهت الحرب أخر المطاف بتوصل ايطاليا والدولة العثمانية الى اتفاقية سلام,ألت بموجبها ليبيا لتصبح مستعمرة ايطالية ,أما في اليمن فقد تحول الايطاليون نحومساعي سلمية أوسياسية لتوطيد نفوذهم ,حيث ظلت ايطاليا لعقود تلت حريصة أن يكون لها نفوذ في اليمن.
ان حرب الساحل التهامي , يمكن أن تظهر مدى تأثر اليمن بالصراعات الاقليمية والدولية في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى , وكذلك مدى ردود الفعل اليمنية تجاه تلك الصراعات أثرعقود عديدة عانت اليمن خلالها من عزلة كبيرة
فاقمت من ضعف أوضاعها وتبديد مقدراتها.
أنحاز بولدري جانب الصراعات الدولية وقدم وجهة نظر ومصالح بريطانيا في اليمن
وجنوب البحر الأحمر في تلك الأوقات .
وإذا كان الايطاليون لم يحققوا إلا القليل فذلك لأن البواعث الاقتصادية والتجارية لبريطانيا كانت الأكثر حداثة ونجاعة وفاعلية , فضلا عن أن ممثلي بريطانيا في اليمن كانوا أكثر مهارة وتنبها للمصالح البريطانية .
أما القوى اليمنية قد سعت لاستغلال صراع دولي فوق أراضيها,على نحومشتت وضمن اطر محدودة غالبا ,لبنى بعض الفوائد العابرة لصالح تكوينات انعزالية قديمة
ومتخلفة . ولكن تظهر اشارات هنا أوهناك تعبر عن أن من بين القوى اليمنية المحدودة التي تظهر في سياق الأحداث كانت توجد قوى أوجماعات صارت مدركة
ولو بقدر محدود لطبيعة الأوضاع من حولها وما تفرضه من تحولات.
ولعل ذلك ماحدا بالباحث البريطاني بيدول الى القول بأن صنعاء الخمسينيات (القرن الفائت) لئن بدت "قطعة من متحف" "فذلك نتيجة" "لقرار عن قصد",بجعل اليمن
"تقف في مواجهة حيال القرن العشرين".
أتبعنا المضمون وأحيانا الفحوى في الترجمة عموما , وليعذرنا القارئ عن أي قصور فقد حاولنا وسعنا , ثم ألحقنا المصادر البريطانية نفسها وجعلنا هوامشا للصفحات لتوضيح بعض النقاط
.نرجوا أن تحظى محاولتنا المتواضعة هذه باهتمام القارئ ,
والله ولي التوفيق,,,
وليد عبد الحميد النود
باحث في التاريخ الحديث
مايو2005م
المصدر:
حرب الساحل التهامي 1911م- 1912م
الصراع الايطالي العثماني في اليمن
للباحث البريطاني (جون بولدري )
ترجمه وعرض ونقد أ/وليد عبد الحميد أحمد النود...أغسطس 2005م .
باحث في التأريخ الحديث
صـادر عن المـركـز العـربي لـلدراسـات ألإسـتـراتـيـجــيه....